إنها رواية ماكوندو. رواية القرية المعزولة التي تظهر فجأة، ثم تتمدد وتنكمش، ثم تختفي وتعود للعزلة الأبدية. يأتيها الغجر والعربُ بالاكتشافات والاختراعات والعلوم. ثم يختفون بعد أن يلقنوا الباحث عن الحقيقة خوسيه أركاديو بوينديا بذرة المعرفة، إنها ماكوندو الرمز الذي يضيّعه قراء الرواية. يظنونها رواية مكشوفة، لكنها مخاتلة. مخاتلة حتى النخاع.
ستقرؤون النص مجرداً، وهناك ما وراء النص. إن الرواية لا تتحدث عن ماكوندو تلك القرية الهادئة. من قال لكم ذلك؟ إنها تتحدث عن تاريخ البشرية. ماكوندو ليست إلا الأرضَ. وآل بوينديا لا يمثلون إلا سلالة البشر بشكل أو بآخر.
ثم إن الأحداث والنزوات التي جاءت في الرواية تمثل النزوات التي طبعت تاريخ البشر. فبحثُ خوسيه أركاديو بوينديا عن الحكمة كان موازياً لفترات ظهور الفلاسفة، ثم ظهر العرب بمخترعاتهم لينشيء بوينديا مختبره الصغير (ليحاكي فترة ظهور العلم).
وتستمرُ الأحداث، لكن ذنب الخنزير الذي تنبأت به أورسولا مع التأسيس، وهو الذي سيحملُ نهاية السلالة ونهاية ماكوندو لم يكن إلا نذير شأم بشأن الانحدار الأخلاقي الذي سيعم السلالة "آخر الزمان".
رقاق أو صحاف ملكياديس ليست إلا ألواح القدر التي لم يستطع أفراد السلالة فك شفرتها، لأن الوقت لم يحن. استطاع آخر السلالة، أوريليانو، فك تلك الشفرة في آخر اللحظات ليرى مصير ماكوندو البائس، والماء يحيط بها من كل الجهات. إنها نهاية العالم..
إنها ماكوندو..
وكنص أدبي، كصنعة أدبية، تبقى مائة عام من العزلة رواية مدهشة ومتقنة.
استطاع من خلالها غابرييل غارسيا ماركيز، أن يتبع فيها أسولب اللامركزية في الشخصيات ،فالأبطال متعددون، والأحداث كثيرة متنوعة.



